المنجي بوسنينة

594

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

نهائيّة وثابتة وهي ذلك ، ودعّم هذا المنهج بآخر يقوم على تعدّد مستويات التحليل وعلى تداخل العوامل والعناصر المفسّرة للحدث التاريخي بعيدا « عن الدغمائيّة والتحجّر » حسبما كان يحلو له أن يقول . وبديهي أن لا يشاطر هذه الآراء كثيرون . فقد عاب عليه البعض إهماله العودة إلى الوثائق الرسميّة وغير الرّسميّة مع العمل على نقدها . وأخذ عليه آخرون انتحاله آراء الآخرين وترجمتها إلى اللغة الفرنسية لا غير ، دون العمل على مقارنتها بكتابات أخرى ، كما عيب عليه ترصيف مقالات المجلّات والجرائد في كتاباته ، وهي مقالات من دوريّات لا تخلو بدورها من مآخذ إذ هي في نهاية الأمر أبواق لتشكيلات سياسيّة رسميّة أو شبه رسميّة يجب التعامل معها بحذر ؛ . . . كما عيب عليه أيضا أنّه كان لا يولي أهمّيّة للتصانيف التاريخيّة التأليفيّة على كثرة إنتاجه وغزارته ، وأقصى ما كان يعمد إليه المترجم له في أحيان كثيرة هو إعادة تجميع مقالاته المنشورة وإصدارها مجدّدا في كتب دون أن يغيّر فيها شيئا . ويبدو أنّ مثل هذه المآخذ ، التي أورثت كذلك توتّرا في العلاقات الشخصيّة مع عدّة وجوه جامعيّة ، لم تزعزعه عن قناعاته في شيء ، إذ واصل الدعوة إلى ما يراه صائبا في عديد الملتقيات التي شارك فيها بتونس أو فرنسا أو إيطاليا أو بغداد 1973 أو بيروت 1975 أو الجزائر 1978 - 1979 أو مكسيكو 1976 أو غيرها من العواصم الجامعيّة . كما واصل بثّ أفكاره عبر أبحاثه التي كان ينشرها بعديد الدوريات المختصّة ببلدان البحر الأبيض المتوسّط لا سيّما بالكراسات التونسيّة الصادرة عن كليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة ، وهي الدوريّة التي أشرف على رئاسة تحريرها فيما بين 1972 و 1981 م . ولم يخرج دور البشير التليلي المؤطّر عن المسار العام الذي اختطّه المربّي ، والباحث أيضا . فقد جدّد المترجم له في المواضيع التي أنجزها الطلبة وكنت أحدهم ، تحت إشرافه . فمن جملة 29 بحثا أشرف عليها اهتمّت 7 بحوث منها فقط بالفترة الحديثة ، ومن الأكيد أنّ النقص في إطار التدريس بالنسبة إلى الفترة المعاصرة كان من موجبات هذا التوجّه . غير أنّنا نعتقد أيضا أنّ رغبة المؤطّر ذاته في تجديد الكتابة التاريخيّة قد دفعت إلى ذلك أيضا ، ذلك أنّ الأبحاث التي كانت تعدّ تحت إشرافه كانت في الواقع عنوان هاجسه ومحطّ أفكاره . . . فكثيرة هي التي اهتمّت بالتاريخ الاقتصادي والاجتماعي ، وكثيرة هي التي تعمّقت في المسائل النقابيّة والثقافيّة ( مسألة الهويّة ) ، وكثيرة هي التي اختارت الإبحار في مسائل تهمّ التاريخ المقارن . . . وجميعها مواضيع لم تعهدها الجامعة التونسيّة آنذاك ، وعلى أيّ حال خالفت السائد . بل إنّ المترجم له كان من الأوائل الذي شجّع أحد طلبته سنة 1986 م على ارتياد ما اصطلح على تسميته ب « التاريخ الآني » ، فناقش تحت إشرافه بحثا حول حركة الديمقراطيين الاشتراكيين من التأسيس إلى المؤتمر الأوّل سنة 1983 م . فكان له السبق في هذا المضمار . كما اهتمّت أبحاث طلبته بالدراسات الجهويّة ، وكذلك بدراسة مختلف التشكيلات السياسيّة اليمينيّة